حيدر حب الله
17
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
الآخر هو الصبر على مطالب النفس . فالنفس قد تدفع بالإنسان لينفعل ، ليأخذ بثأره أو ليحصل على حقّه ، فيما الصالح العامّ يتطلَّب منه أن يسكت حيناً عن حقّه المهضوم ، أو يكتفي ببعض أنواع الاحتجاج حيناً آخر . وهنا يمكن أن نفهم سكوت عليّ والحسن وغيرهما من أئمّة أهل البيت ، ويمكن أن نفهم مدى تأثير حرص المصلحين في المصلحة العامّة على رغبتهم الذاتية البشريّة الطبيعيّة في القيام بردّ فعل . فالصبر على النفس كالصبر على الغير كلاهما يحتاج إلى الارتباط بالله سبحانه لتعميق العلاقة وتهدئة الروح ، ليواجه به الشعور بالعجلة المجبول عليها الإنسان بشكل أو بآخر ، قال سبحانه : ( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ) ( الإسراء : 11 ) . فقبل الحصول على الحقّ المسلوب قد تمرّ أوقاتٌ وأوقات ، وتطول المدد أحياناً ، ليُتْعِبَ امتدادُها الطويل هذا الكثيرَ من المؤمنين ، قال سبحانه : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) ( البقرة : 214 ) . فالرسول نفسه هنا - وهو الذي عاش الطمأنينة مع الله سبحانه - ينادي : متى نصرُ الله ؟ أي إنّ المرحلة بلغت من الصعوبة والضغط مبلغاً عظيماً . 4 - الإعراض . وأقصد به أنّ المرحلة المكّيّة تستدعي في بعض الأحيان أن يقوم العاملون في سبيل الله بالتركيز على البناء الذاتيّ ، والإعراض عن الآخرين ، وعدم الاهتمام بهم والتأثُّر بما عندهم ، قال تعالى : ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) ( السجدة : 30 ) . ففي بعض الأحيان نحن نحتاج إلى قَدْرٍ من الإعراض ؛ إمّا لغاية عدم التأثُّر